الجنيد البغدادي
195
رسائل الجنيد
رسالة أبي القاسم الجنيد بن محمد إلى يحيى بن معاذ « 1 » رحمة اللّه عليهما « 2 » لا غبت بك عن شاهدك ولا غاب شاهدك بك عنك ، ولا حلت بتحولك عن حالك ولا حال حالك بتحويله عنك ولا بنت عن حقيقة إنبائك ، ولا بانت أبناؤك بغيبة الأنباء منك ، ولا زلت في الأزل شاهد الأزل في أزليتك ، ولا زال الأزل يكون لك مؤيدا لما زال منك ، فكنت بحيث كنت كما لم تكن ثم كنت بفردانيتك متوحدا وبوحدانيتك مؤيدا بلا شاهد من الشواهد ، يشهدك ولا غبت لدى الغيب من الغيب بغيبتك فأين ما لا أين لأينه إذ مؤين الأينات مبيدا لما أينه وإذ الإبادة مباده في تأبيد مبيد الابادات وإذا الاجتماع فيما تفرق والتفريق فيما جمع فرق في جمع جمعه ، وإذا الجمع بالجمع للجمع جمع فيما جمعه « 3 » . ففتح كتابي واحد ففضه واستعجم بعض ما فيه على قوم فأتعبني تخلصهم ولزمني من ذلك شفقة عليهم ، والخلق بحاجة إلى الرفق وليس من الرفق بالخلق ملاقاتهم بما لا يعرفون ، ولا مخاطبتهم بما لا يفهمون وربما وقع عن قصد اللّه وأنعمه له وجعل اللّه عليه واقية باقية وسلمنا وإياك . فعليك بضبط لسانك ومعرفة أهل زمانك وخاطب الناس بما يعرفون ودعهم مما لا يعرفون ، فإن الناس كإبل مائة ليس فيها راحلة وقد جعل اللّه العلماء والحكماء رحمة من رحمته يبسطها على عباده فاعمل على أن تكون رحمة على غيرك ، إن كان اللّه سبحانه وتعالى قد جعلك بلاء على نفسك وأخرج إلى الخلق عن حالك بأحوالهم وخاطبهم من قبلك على حسب مواقعهم . فذلك أبلغ لك عليهم والسلام .
--> ( 1 ) هو أبو زكريا يحيى بن معاذ الرازي الواعظ ، توقى سنة 258 ه 872 م ، فريد عصره ، له لسان في الرجاء وكلام في المعرفة خرج إلى بلخ ، وأقام فيها مدة ، ثم رجع إلى نيسابور . قال : كيف من يكون زاهدا من لا ورع . تورع عما لا ليس منك ، ثم ازهد فيما لك . الرسالة القشيرية ، ص : 414 . ( 2 ) من رسائل في التوحيد والتصوف ، معهد المخطوطات العربية ، رقم 227 تصوف ، 134 توحيد ، 396 تصوف . ( 3 ) يشير الإمام الجنيد إلى الجمع والفرق ، وكما يقول القشيري في هذا الصدد : ولا بد للعبد من الجمع والفرق ، فإن من لا تفرق له لا عبودية له ، ومن لا جمع له لا معرفة له . فقوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ إشارة إلى الفرق ، وقوله وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ إشارة إلى الجمع . الرسالة القشيرية ، ص : 65 . ويشير الكلاباذي أيضا : والجمع الذي يعنيه لا تتفرق همومه فيجمعها تكلف العبد ، بل تجتمع الهموم فتصير بسهود الجامع لها هما واحدا ، ويحصل الجمع إذ كان باللّه وحده دون غيره انظر أيضا : د . حسن الشرقاوي : معجم ألفاظ الصوفية ، ص : 108 .